الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم المجيب، والمجيب في حقّ الله تعالى هو الذي يُقابل مسألة السائلين بالإجابة، ويُقابل دعاء الداعين بالاستجابة، ويُقابل ضرورة المضطرين بالكفاية، تسأله فيجيبك، تطلب منه فيستجيب لك، تكون مضطراً فيغيثك، هذا هو المجيب.
أيها الإخوة؛ إن التضرع في الدعاء هو الهدف، أي الاتصال المُحكم، الاتصال الحميم، الاتصال في أعلى مستوى هو التضرع، يقول الله عز وجل:
لابدّ من مثل للتوضيح؛ تريد أن يأتي ابنك إليك، وأن تضمه إليك، وأن يشعر بحنانك، ورحمتك، ومحبتك، هو لا يأتي، تُلَوِّح له بشيء يحبه، لذلك يُقبِل عليك، القصد أن يُقبِل عليك، وهذا الشيء الذي لوحت له به وسيلة كي يأتيك، فالله عز وجل يريدنا أن نتصل به، يريدنا أن نُقبِل عليه، يريدنا أن نسعد بقربه، يريدنا أن نذوق حلاوة مناجاته، يريدنا أن نكون معه، لذلك يلوح لنا أحياناً شبح مصيبة نلجأ إليه، نتضرع إليه، التضرع هو الهدف، والمشكلة التي ألمّت بالمؤمن هي الوسيلة، المشكلة هي الوسيلة، والتضرع هو الهدف، لذلك قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
أيها الإخوة؛ حينما يفهم المؤمن على الله قصده من المصائب، هي أدوات يسوقنا الله بها إلى بابه، يريدنا من هذه الشدائد أن نتصل به، أن نتضرع إليه، أن نناجيه، أن يسمع صوتنا، أن نُقبل عليه، أن نذوق حلاوة القرب منه، هذه هي الحقيقة، المصائب وسائل، والاتصال بالله هو الهدف، النقطة الدقيقة الله عز وجل يعلم حاجة المحتاجين لو لم يسألوه، أي من أودع في طحال الوليد كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل الطعام؟ ليس في حليب الأم حديد، والجسم بحاجة إلى الحديد، أودع الله في طحال الوليد كمية حديد تكفيه سنتين، دون أن يسأل، من جعل القمح غذاءً كاملاً للإنسان؟ الله جلّ جلاله، من جعل الحليب غذاءً كاملاً للإنسان؟
خصيصاً لكم، من منحنا الهواء؟ من منحنا الماء؟ من خلق لنا المعادن؟ معدن خفيف ومتين للطائرات، معدن ثمين للعملات، الذهب، معدن يصدأ، الحديد، حتى نستفيد من أملاحه، أنت حينما تأكل تفاحة تأكل أملاح الحديد، والدليل اقطعها ودعها في الهواء ساعة تسود، تأكسد الحديد، من أعطاك أنواع اللحوم؟ من أعطاك أنواع الأزهار؟ من جعل هذه البقرة مُذللة؟
لما البقر جنّ اضطروا إلى أن يحرقوه، أحرقوا ثلاثين مليون بقرة في بريطانيا، لأنه جنّ، لأنه فقد التذلل، ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ أعرف أخاً عنده بقرة في ريف دمشق فأصابها الجنون، قتلت إنسانين، فاضطر أن يطلق عليها النار وقتلها، ثمنها سبعون ألفاً، من جعلها مُذللة؟ ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ النبات، الخلة لتنظيف الأسنان، والسواك للأسنان، والليف كي تنظف به جلدك، يوجد وجه خشن ووجه ناعم، هناك نباتات زينة، هناك نباتات ظل، شجرة كأنها مظلة، هناك نباتات حدودية، الحديث عن آيات الله في خلقه لا تنتهي، لكن الله عز وجل يعرف حاجتك قبل أن تسأله إياها، لكنه انتظر أن تسأله كي تذوق طعم القرب منه، انتظر أن تُقبِل عليه، انتظر أن تُناجيه.
الله مجيب، أحياناً إنسان لا يستجيب لك، لا يلقي بالاً لك، لا يعبأ بك، لا يوجد عنده وقت يسمع لك، ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ ثم يقول الله عز وجل:
يجب أن يوحدوا، أن يؤمنوا بأنني فعّال لما أريد، إله في السماء وإله في الأرض.
إلا أن العلماء استثنوا من شروط الدعاء المضطر، المضطر يستجيب الله له ولو لم تتحقق فيه شروط الدعاء، يستجيب له برحمته، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ والمظلوم يستجيب الله له ولو لم تتحقق فيه شروط الدعاء، يستجيب له بعدله، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
[ صحيح البخاري ]
العدو التقليدي إذا عدلت معه قربته من الله، وقربته منك، لذلك قال النبي الكريم:
(( عن أبي هريرة: من غشنا فليس منا. ))
لكن في رواية:
(( من غَشَّ. ))
مطلقاً، أنت حينما تؤذي غير مسلم تُسبب سمعة سيئة لكل المسلمين، غير المسلم إذا نلته بالأذى يقول: هكذا الإسلام؟! ينسى شخصك، ويتهجم على الإسلام، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ .
الله عز وجل مُجيب ولن يضيع عمل أي إنسان:
أيها الإخوة؛ استمعوا إلى هذه الآية:
﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)﴾
الله عز وجل مجيب، قال:
﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)﴾
أي لو وجدت قشة على سجاد المسجد، قشة وضعتها في جيبك تقديساً لهذا المكان، ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ لو رأيت نملة وأنت تتوضأ على المغسلة فانتظرتها حتى خرجت إلى برّ الأمان، ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ مهما تصورت العمل قليلاً عند الله محفوظ، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ*رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ*فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الله مجيب، ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ .
أيها الإخوة؛ الله عز وجل مجيب وينتظرنا، وقد ورد في الأثر: أن يا داود! لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي في المُعرضين فكيف بالمُقبلين؟
من الملامح اللغوية الرائعة في القرآن الكريم:
1 ـ الداعي أحياناً يكون واحداً والجواب يأتي بصيغة المثنى:
أيضاً من الآيات القرآنية التي يتوضح فيها اسم المجيب:
﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)﴾
بالمناسبة يوجد بالآية ملمح دقيق، ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ واحد، الجواب: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الداعي واحد فكيف جاء الجواب بصيغة المثنى؟ قال: الذي يُؤَمِّن على الدعاء داعٍ أيضاً، إذا دعا الإمام، وأنت قلت: آمين، أنت عند الله داعٍ تماماً، ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ .
يوجد بالقرآن الكريم ملامح لغوية رائعة جداً، أي لما الله عز وجل قال:
﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)﴾
﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
هنا بالعكس، الجواب واحد، ﴿يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ قال العلماء: هذا هو الإيجاز، لأن شقاء الرجل شقاء حكمي لزوجته.
3 ـ البدء بالأب أو الأم أو الابن لحكمة من الله تعالى:
أحياناً يأتي الأب في أول الأقارب:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾
الأب أولاً، أحياناً تأتي المرأة أولاً:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
أحياناً يأتي الابن:
﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11)﴾
﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)﴾
مرة جاء الأخ، مرة جاء الابن، مرة جاءت الزوجة، مرة جاء الأب، وفي كل ترتيب حكمة ما بعدها حكمة.
أيها الإخوة؛ الآن: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ*قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ هذا من الملامح اللغوية والبلاغية في القرآن الكريم، ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
صلاة الاستسقاء كما أراد الله عز وجل:
أيها الإخوة؛ وقد وردت الأحاديث الصحيحة في استسقائه صلى الله عليه وسلم، أي نحن نعاني الجفاف أحياناً، لكن الطريق إلى الأمطار الغزيرة لا نسلكه، النبي عليه الصلاة والسلام ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه استسقى ربه
(( فعن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: فقام الناسُ فصاحوا، فقالوا: يا رسولَ الله، قَحَطَ المطر، واحمَرَّت الشجرُ، وهلكتِ البهائِمُ، فادْعُ الله أن يَسْقِيَنَا؟ فقال: اللهم اسْقِنا -مرتين-وايْمُ الله، ما نرى في السماء قَزَعة من سحاب -سماء صافية، جو حار-وايْمُ الله، ما نرى في السماء قَزَعة من سحاب، فنشأتْ سحابة فأمطرت، ونزل عن المنبر فصلَّى بنا، فلما انصرف لم تَزَلْ تُمْطِرُ إِلى الجمعة التي تليها، فلما قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخطُب في الجمعة التالية، صَاحُوا إِليه: تهدَّمت البُيُوتُ، وانقطعتِ السبلُ، فادْعُ الله يَحبِسْهَا عنا؟ فتبسَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالَ: اللهم حَوالَينا ولا عَلينا، وتَكشَّطت المدينةُ، فجعلت تُمْطِرُ حولها، ولا تَمْطُرُ بالمدينةِ قطرة، فنظرتُ إِلى المدينة وإنها لَفِي مثْلِ الإِكليل. ))
والله الذي لا إله إلا هو لو طبقنا صلاة الاستسقاء كما أراد الله، وكما بيّن النبي عليه الصلاة والسلام لكنا في وضع آخر.
من سأل الله عليه أن يكون واثقاً من استجابته وهذا شرط أساسي في قبول الدعاء:
أيها الإخوة؛ من شروط الدعاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( عن عبد الله ابن عمر: القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فسلوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل. ))
يا رب ارحمني إذا شئت، اعزم المسألة،
((فسلوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل)) إن سألت الله اسأله وأنت موقن أنه سيجيبك، لأن الحديث القدسي:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». ))
فليظن في ما شاء.
1 ـ أن يتخير العبد وقت الدعاء:
من آداب الدعاء أن يتخير وقت الدعاء، الذي ندب إليه النبي عليه الصلاة والسلام، كيوم عرفة، وفي جوف الليل، وقبيل الفجر،
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان ثُلُثُ الليلِ أو شَطْرُه يَنزِلُ اللهُ إلى سماءِ الدنيا فيقولُ هل من سائلٍ فأُعطيَه؟ هل من داع فأستجيبَ له؟ هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له؟ حتى يَطْلُعَ الفجرَ. ))
[ تخريج كتاب السنة: خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين ]
الأوقات المندوبة يوم عرفة، وفي جوف الليل، وقبيل الفجر، ودبر الصلوات المكتوبة، عقب الصلاة، هذا وقت إجابة.
2 ـ ألا يتعجل الداعي في دعائه:
من آداب الدعاء ألا يتعجل الداعي في دعائه، بمعنى يقول: دعوت فلم يُستجب لي، أنت بهذا خرقت آداب الدعاء.
3 ـ ألا يجهر العبد بالنداء اتّقاء للفتنة والرياء:
ألا يجهر بالنداء، رفع الصوت، إنكم لا تخاطبون أصماً.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)﴾
وألا يجهر بالنداء اتّقاء للفتنة والرياء.
4 ـ أن يحذر الإنسان من التجاوز والاعتداء:
أن يحذر من التجاوز والاعتداء، أحياناً يقول لك: أنا أخذت معي كتاباً فيه أدعية مستجابة للحج، يفتح الكتاب ويدعو، لما فتحت الكتاب ودعيت الحال ذهب منك، ادعُ الله بأية لغة، يريد قلبك، يريد إخلاصك، لا يريد التفاصح بالدعاء، التفاصح والدعاء المُنمّق فيه سجع، لا، الله لا يحتاج لهذا الدعاء، يريد قلبك المخلص، إذاً من آداب الدعاء: ألا يتعجل المجيب، فيقول: دعوت فلم يُستجب لي، وألا يجهر بالنداء اتّقاء للفتنة والرياء، وأن يحذر من التجاوز والاعتداء.
صدقوا أيها الإخوة؛ لما إنسان يعتدي على أخيه الإنسان مهما دعا الله، مهما تفاصح في الدعاء لا يستجاب له، والدليل: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أنت حينما تعتدي على مال أخيك لن يُستجاب دعاؤك، أنت حينما تأكل المال الحرام عدواناً وظلماً لا يُستجاب دعاؤك، أنت حينما تستعلي على أخيك لا يُستجاب دعاؤك، أنت حينما تتكبر لا يُستجاب دعاؤك، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
5ـ أن يكون المسلم متواضعاً هيناً ليناً مجيباً لدعوة إخوانه:
من آداب الدعاء أن يكون المسلم متواضعاً، هيناً، ليناً، مجيباً لدعوة إخوانه، ألم أقل لكم دائماً: يجب أن تتخلّق بخلق مشتق من كمال الله، الله عز وجل مُجيب، أنت في طبيعتك تستجيب لمن يدعوك إذاً أنت مستجاب الدعوة.
على الإنسان أن يراجع حساباته إذا لم يُستجب دعاؤه:
لذلك تُعَدّ حالة عدم استجابة الدعاء مصيبة كبيرة، النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد في صحيح مسلم من أدعيته:
(( عن زيد بن أرقم: اللَّهمَّ إني أعوذ بك من العجْزِ، والكَسَلِ، والجُبنِ، والبُخْلِ، والهَرَمِ، وعذاب القبر، اللَّهمَّ آتِ نَفسي تَقْوَاها، وزَكِّها أَنت خَيرُ مَنْ زكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّها ومولاها، اللَّهمَّ إِني أَعوذ بك -دققوا الآن-من علم لا ينفعُ، ومن قَلبٍ لا يَخشَع، ومن نَفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا تُستَجَاب لها. ))
أنت حينما تدعو فلا يُستجاب لك راجع حساباتك، يوجد عندك خلل كبير، لكن ألا يذوب الإنسان محبة لله حينما يستمع إلى هذا الحديث؟
(( عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ. ))
الله يستحي، مثل بسيط؛ بأيام الشتاء القارسة ترتدي ثياباً سميكة، ومعطفاً، وتحمل حاجات بيدك، يقول لك طفل: كم الساعة يا عم؟ طفل، تضع الحاجة على الأرض، وتمسك يداً بيد، وتبحث عن الساعة كي تجيبه، فأنت مع طفل صغير سألك: كم الساعة؟ تُضطر أن تضع الحاجة على الأرض، وأن تزيح القماش عن الساعة، وأن تجيبه، فكيف بالواحد الديان؟ إذا سأله عبده: يا رب ارزقني رزقاً حلالاً، ارزقني زوجة صالحة، ارزقني أولاداً أبراراً، ارزقني من خير الدنيا والآخرة.
الدعاء يقوي العقيدة وينقل الإنسان نقلتين نوعيتين:
أيها الإخوة الكرام؛ الدعاء ينقلك نقلتين نوعيتين؛ نقلة تزداد محبة لله عز وجل، ونقلة نوعية أخرى تزداد علماً به، لذلك قالوا: الدعاء يقوي العقيدة، تدعوه يستجيب لك، تنتقل نقلة نوعية، تزداد محبة له، وتزداد اعتقاداً بألوهيته، وأنه:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)﴾
(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ. ))
على العبد أن يسأل الله مباشرة لعدم وجود وسيط بين المخلوق وربه:
لا أبالغ إذا قلت: لعل أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلينا هو اسم المجيب، حياتنا فيها متاعب كثيرة، الله عز وجل يقول لك: ادعُني يا عبدي:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)﴾
وهناك أكثر من عشر آيات:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)﴾
﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ﴾ .
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾
إلا في آية واحد تتميز:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾
لا يوجد كلمة قل، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ استنبط العلماء من هذه الآية أنه ليس بين المخلوق وربه وسيط، اسأله مباشرة.
الملف مدقق